انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

قواعد أصول التفسير ؛ قراءة في كنز العرفان للسيوري الحلي (ت/826هـ)

Share |
الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 7
أستاذ المادة سكينه عزيز عباس الفتلاوي       28/02/2017 20:45:02



قَوَاعِدُ أُصُولِ التَّفْسِير
قِرَاءَةٌ فِي كَنْزِ الْعِرْفَانِ للسُّيُورِي الحِلِّي (ت/826ه)


الدكتور / جَبَّار كَاظِم الْمُلَّا و الدكتورة / سكَيْنَة عَزِيز عباس الْفَتْلِي
كُلِّيَّةُ الدَّرَاسَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ / جَامِعَةُ بَابِلَ




الكلمات التعريفية :
(قواعد ، أصول ، التفسير ، كنز العرفان ، السُّيُورِي)
الملخص :
هذه دراسة قامت على قراءة قواعد أصول التفسير في (كنز العرفان في فقه القرآن) للسُّيُورِي الحلي (ت/826ه) ، وتبيَّن من هذه الدراسة أنَّ القواعد الأصولية في الكنز صنفان ، أحدهما : عقَّب السُّيُورِي بعد ذكره : أنَّه قاعدة أصولية ، والثاني لم يعقِّب عند ذكره ، إما لأنَّه وردت الاشارة إليه عند ذكره للمرة الأولى ، وإما لأنَّه مشهور فاستغنى بشهرته عن ذكر ذلك ، وإما ظنَّ أنَّ عقَّبه بالذكر عند وروده للمرة الأولى – حسبما نظنُّ والله أعلم – لأنَّ الكتاب وردت فيه قواعد أصولية كثيرة وغطت معظم أبواب الفقه من الطهارة إلى الدِّيَّات ، بل غطت أقسام الفقه أربعتها : (العبادات ، العقود ، الايقاعات والأحكام) وتوصلت إلى تحقيق ما تهدف إليه وهو بيان الصلة الوثيقة بين (أصول الفقه) ، و(التفسير) بل نكاد نجزم أنَّه لا غنى للمفسر عن القواعد الأصولية ، لا سيما التفسير الفقهي (المقارن) ؛ لأنَّ القواعد الأصولية أداة من أدوات المفسر والفقيه معا في البحث المقارن كل منهما يلجأ إليها ؛ ليؤيد رأيا يتبناه ، أو يرد بها رأيا يرى عدم صحته . وبهذا تكون (مدرسة الحلة الفقهية) قد برعت في المزج بين أصول الفقه والتفسير في التفسير الفقهي في ميدان البحث المقارن وتجلى هذا الأمر على يد فقيه بارز من فقهائها هو السيوري الحلي في تفسيره الفقهي ، والدراسة برمتها تكشف النقاب عن مدى التطور في هذه المدرسة في ميادين البحث لدى العلوم الآتية : (أصول الفقه ، التفسير ، والفقه المقارن) ، وتبين مدى براعة السيوري الحلي بها . وهي تفرق بين الأصول العامة ، نحو : الكتاب ، والسنة ، والعقل واللغة . وبين القواعد المندرجة بين تحت أصل من تلك الأصول ؛ لذا سمِّي البحث بـ (قواعد أصول التفسير) ، أي : أنَّ الباحثين دققا في القواعد التي يلجأ إليها المفسر في بحث التفسير بعامة ، وفي بحث التفسير الفقهي بخاصة الذي يرتكز بطبيعة الحال على ركيزتين : أحدهما : علم التفسير ، والثانية : علم الفقه ، ونتاجهما هو فقه لمن أراد الفقه ، وتفسير فقهي لمن أراد تفسيرا فقهيا ، فوجد مجموعة – من القواعد – ليست بقليلة تحكم عملية التفسير الفقهي ، وتضبط عملية استنباط الحكم الفقهي من داخل النص القرآني الذي يقع ضمن دائرة الحكم ، وهذه القواعد بلحاظ ما تتفرع عنه يمكن أن تقسم على مجاميع كل مجموعة يمكن أن تندرج تحت أصل عام ، وهذا الأصل قد يكون شرعيا يدخل ضمن الإطار القرآني (الكتاب) ، أو الإطار الروائي (السنة) ، وقد يكون عقليا (العقل) تندرج تحته القواعد العقلية وقد يكون لغويا (اللغة) تندرج تحته مجموعة من القواعد اللغوية التي هي قواعد لغوية تتحكم في ضبط دلالة النص اللغوي ، استقاها الأصوليون – علماء علم أصول الفقه – من اللغويين وسخروها لاستخراج الحكم من النص القرآني ، ثم أخذها المفسرون عن الأصوليين وتعاطوا معها في التفسير بعامة ، والتفسير الفقهي بخاصة ، وهي في الأخير – أي : الفقهي أظهر .
Tariff words :
(Rules , assets , interpretation treasure , Gratitude , Siouri)
Summary:
This study has to read the rules of the assets of the explanation in the (treasure Gnosticism in the jurisprudence of the Quran) for Soiree ornaments (T / 826 AH), showing from this study that the fundamentalist bases in the treasure are two types, one: after Siouri after mentioned: that fundamentalist base, and the second was not followed when mentioned, either because it indicated to him when he was mentioned for the first time, either because it is famous Fastgny the fame to mention that, either thought that the heel mentioning upon receipt the first time - as thought and God knows - because the book contained therein many fundamentalist rules most of the doors, Fiqh and covered from Purity to Blood Money, but covered Fiqh sections Orbatha: (worship, contracts, melodious and provisions) and reached to achieve the objective of a statement of the close connection between (jurisprudence), and (interpretation), but almost certainly it is indispensable for the interpreter for the fundamentalist rules, in particular the interpretation jurisprudence (Comparative); rules because fundamentalism tool of the interpreter and the jurist tools together in comparative research each resorted to; to support the opinion adopted by, or reacts to an opinion sees lack of authenticity. And thus be (Hilla jurisprudential school) has excelled in combining the principles of jurisprudence and interpretation in the interpretation of jurisprudence in the field of comparative research This is manifested by a prominent jurist of jurists is Siouri ornaments in its interpretation of jurisprudence, the whole reveals the extent of development in this school in the fields of study Find the following Science (jurisprudence, interpretation, and comparative jurisprudence), and shows how the versatility Siouri ornaments out. They differentiate between public assets, about: the book, and the Sunnah, the mind and language. And the falling rules among under the origin of those assets; so-called Search by (the rules of the assets of interpretation), ie: that Dqqa researchers in the rules used by the interpreter to consider the interpretation in general, and in the search interpretation of jurisprudence in particular, which is based of course on two pillars: one: aware of the explanation, and the second: knowledge of jurisprudence, Nteghma is the jurisprudence of those who wanted the doctrine, and the interpretation of jurisprudential those who wanted an explanation doctrinal, and found a group - of rules - not a little the process of interpretation idiosyncratic control and regulate the development of idiosyncratic rule from within the Quranic text, which is located within the Department of governance process, these rules Belhaz what branch it can be divided into groups each group can fall under the origin of the year, this asset may be legitimately falls within the Quranic frame (the book), or novelist frame (year), and may be mentally (mind) under which mental rules it may be linguistically (language) under which a set of linguistic rules are the rules of linguistic controls to adjust the significance of language text, gleaned purists - aware jurisprudence - scientists from linguists and Schroha to extract the judgment of the Quranic text, and then take the commentators for fundamentalists and abused her in interpretation in general and idiosyncratic interpretation in particular, which is in the latter - ie, idiosyncratic showed.












المقدمة
أهمية البحث : قد لجأ السُّيُورِي إلى القواعد الأصولية في كنز العرفان في فقه القرآن لبيان معنى النص وإزالة اللبس عن فهمه ، ودفع الشبهات التي تثار في إطار الفهم ، فهو وسيلة لإسقاط دليل الخصم ، أو تقليص دائرة بيان دليله ، فهو أداة ترجيح بين الآراء لذا أكثر ما يستعين بها المفسر في التفسير الفقهي ، وفي مجال المقارنة التي تتطلب عرض الآراء والنظر في دليل كل رأي ، وبيان الرأي الراجح من بينها . والسُّيُوري حين يعمد إلى درج القاعدة الأصولية يشير – غالباً – إلى كونها قاعدة أصولية ؛ لذا نجده يكرر عبارة : (( كما تبين في الأصول )) ، أو عبارة : (( لما تقرر في علم الأصول )) وقد تأملنا في كنز العرفان في فقه القرآن للسُّيُوري ، فوجدناه قد استعان بالقاعدة الأصولية في أكثر من خمسين موضعا موزعة على الجزءين من كتابه مناصفة تقريباً ، وأما القواعد التي لم يشر إليها فقد تمكنَّا من تشخيصا ؛ لأنَّ بعض تلك القواعد وإن كانت أصولية ، إلا أنَّها متعارفة عند المفسرين والمتخصصين بعلوم القرآن ، نحو : ( خُصُوصُ السَّبَبِ لَا يُخَصِّصً الْمَوْرِدَ ) ، و ( مَا مِنْ عَامٍّ إِلَّا وَقَدْ خُصَّ ) . والقواعد الأصولية تارة تكون لغوية وتارة عقلية ، وتارة شرعية ، وتارة مركبة من أمرين ،إلا أنًّ علماء الأصول أقاموا الدليل على حجيتها ، ورتبوا عليها أحكاماً ودونوها في مصنفاتهم الأصولية وفرقوا بينها وبين القواعد الفقهية من حيث مورد جريانها ، فالأولى – الأصولية – تجري في الأبواب كلها والأخرى تختص بباب دون الأبواب الفقهية الأخرى فالقواعد اللغوية تتمثل بالقواعد اللفظية التي تندرج تحت حجية الظهور ، والشرعية ، نحو : قاعدة الاستصحاب التي مستندها شرعي : (( لا تنقض اليقين بالشك )) ، والعقلية نحو : (( خبر الواحد لا ينسخ القرآن )) ، والمزجية من قبيل : (( ما من عام إلا وقد خص )) ، فقد تناقله الصحابة ويؤيده العقل ؛ لتدرج الأحكام . ومن هنا تظهر أهمية البحث بوصفه بحثا جمع بين تخصصين دقيقين هما أصول الفقه والتفسير مبينا مدى الصلة بينهما وكاشفا عن إفادة التفسير من أصول الفقه ، وإفادة أصول الفقه من التفسير بوصفه ميدانا لتطبيقه قواعده النظرية في إطارها التطبيقي العملي ؛ لذا اخترناه ؛ ليكون عنوان لبحثنا ، وقد سميناه بـ [قواعد أصول التفسير ؛ قراءة في كنز العرفان للسيوري الحلي (ت/826ه)]
أسباب اختياره : وقد اخترنا هذا الموضوع لأسباب منها : إنَّا قرأنا (كنز العرفان) للسُّيُوري قراءة متأنية فوجدناه يحتج بقواعد ، ويذكر عقيب ذكرها ما يؤيد أنها قواعد أصولية استعان بها في تفسيره كنز العرفان . وهذا الأمر دفعنا إلى تتبع تلك القواعد حسب ورودها في الكنز ، ونذكر مقولته التي تؤيد أصولية تلك القواعد ؛ وبهذا نبين مدى الصلة بين أصول الفقه والتفسير من جهة ، وبيان أن القواعد الأصولية أداة من أدوات المفسر من جهة ثانية وبهذا نبين أنَّ السُّيُوري مُتَمَكِّنٌ بأصول الفقه مثلما هو مُتَمَكِّنٌ بالتفسير ، فقد سَخَّرَ القواعد الأصولية في خدمة التفسير ، وفي هذا بيان لأمرين أحدهما : تطور أصول الفقه عند مدرسة الحلة الفقهية ، والثاني : إنَّ مدرسة الحلة الفقهية طوَّعت أصول الفقه ؛ لخدمة التفسير ، ولا سيما التفسير الفقهي .
أهداف البحث : يهدف البحث إلى أهداف عِدَّةٍ منها : أولاً : بيان مدى اللحمة بين أصول الفقه والتفسير ثانيا : لإثبات أنه لا غنى للمفسر عن أصول الفقه ، ولا سيما حقل التفسير الفقهي ، ثالثا : لتسليط الضوء على براعة السيوري في ميداني أصول الفقه والتفسير رابعا : لإعطاء فكرة وافية عن التطور الذي لاح في الأفق عند مدرسة الحلة الفقهية على المستوى البحث الأصولي ، والبحث القرآني الفقهي في بحث واحد ، لا أنهما في بحثين منفصلين ؛ ومما يؤيد ذلك أننا وجدنا القاعدة الأصولية حاضرة في التفسير الفقهي (كنز العرفان) للسُّيُورِي من بدايته إلى نهايته .
مشكلة البحث : هناك بعض الباحثين من المتخصصين في علوم القرآن والتفسير يحاولون ابعاد (أصول الفقه) من ساحة علوم القرآن والساحة التفسيرية ، فجاء هذا البحث ليعالج هذه المشكلة ويثبت أنَّه لا غنى للمفسر عن أصول الفقه ، وانَّ القواعد الأصولية أداة من ادوات المفسر .
خطة البحث : قام البحث على مقدمة ، وتمهيد ، وأربعة مباحث ، ثم ختم بـالخاتمة ونتائج البحث وثبت المصادر والمراجع أما التمهيد فقد كان بعنوان : تحديد مفهوم القواعد الأصولية ، وتضمن : القاعدة في اللغة ، القاعدة في الاستعمال القرآني ، والقاعدة في الاصطلاح الأصولي ، وأما المبحث الأول فقد كان بعنوان : السُّيُورِي ، مصنفاته ، تفسيره ، وتضمن ثلاثة مطالب ، أما المطلب الأول ، فقد كان بعنوان : السيوري الحلي ، وتضمن ثلاثة فروع هي : الفرع الأول : اسمه وشهرته ، والفرع الثاني : شيوخه وتلامذته ، والفرع الثالث : مكانته العلمية . وأما المطلب الثاني فقد كان بعنوان : المصنفات العلمية وتضمن فرعين : الفرع الأول : المصنفات العقائدية ، والفرع الثاني : المصنفات التفسيرية وأما المطلب الثالث ، فقد كان بعنوان : تفسيره الكنز ، وتضمن ثلاثة فروع هي الفرع الأول : نمط الكنز والفرع الثاني : لون التفسير ، والفرع الثالث : منهج التفسير ، وأما المبحث الثاني فقد كان بعنوان : القواعد الأصولية في مقدمة كنز العرفان ، وتضمن مطلبين : أما المطلب الأول فهو : قواعد دلالة الألفاظ على المعاني وتضمن فرعين : الأول : الجانب النظري ، والثاني : الجانب التطبيقي ، وأما المطلب الثاني ، فقد كان بعنوان : قواعد البيان للألفاظ ضيقا واتساعا ، وتضمن فرعين : الأول : قواعد تضييق دائرة البيان ، والثاني : قواعد اتساع دائرة البيان ، وأما المبحث الثالث فقد كان بعنوان : القواعد الأصولية المسندة إلى أصول الفقه ، وتضمن ثمانية مطالب : الأول : قواعد الأمر ، والثاني : قواعد النهي ، والثالث : قواعد اللفظ الواحد ، والرابع : قواعد اللفظتين ، والخامس : قواعد العموم والسادس : قواعد التخصيص ، والسابع : قواعد المعاني ، والثامن : قواعد المفاهيم ، والتاسع : قواعد التعارض والترجيح ، وأما المبحث الرابع ، فقد كان بعنوان : القواعد الأصولية غير المسندة إلى أصول الفقه ، وتضمن ستة مطالب : الأول : قواعد المشتق ، والثاني : قواعد العام ، والثالث : قواعد التخصيص ، والرابع : قواعد الأصول اللفظية ، والخامس : قواعد المفاهيم ، والسادس : قواعد الأصول العملة .
منهجية البحث : إنَّ منهج البحث قام على مجموعة من المناهج ، فقد جمع بين المنهج الاحصائي ؛ إذ أحصينا القواعد الأصولية في كنز العرفان التي أفصح السُّيُورِي نفسه عن كونها قواعد أصولية والقواعد الأصولية التي أوردها ، إلا أنَّه لم يشر إلى كونها أصولية ، والمنهج المقارن ؛ لأننا عمدنا إلى ذكر الآراء الفقهية في كل مسألة عرض لها البحث ، فقد أوردنا رأي الامامية ، ورأي المذاهب الاسلامية وهي ( الحنفية ، المالكية ، الشافعية ، والحنابلة ) التي تؤيدها القاعدة الأصولية ، أو تعارضها والمنهج الفقهي ؛ لأنَّه حرص على عرض القواعد الأصولية في معالجتها للنصوص على وفق الترتيب الفقهي بدءاً من الطهارة ، وانتهاءً بالديات ، والمنهج التكاملي ؛ لأنَّه جمع بين النظرية والتطبيق .
فرضية البحث : انطلق البحث من فرضية كبرى مفادها هل القواعد الأصولية أداة من أدوات المفسر أو لا ؟ وعلى الفرض الثاني ، فما هي القواعد الأصولية ؟ وكيف أفاد منها المفسر في التفسير بعامة والتفسير الفقهي بخاصة ؟ .
حدود البحث : إنَّ حدود البحث القاعدة الأصولية ومتعلقها النص القرآني الوارد في التفسير الفقهي ( كنز العرفان في فقه القرآن ) للسُّيُورِي ، والرأي الفقهي القائم على النص القرآني ، الذي قد يكون مؤيدا بالقاعدة الأصولية ، وقد يكون مرفوضا بها .
مجال الإفادة منه : يمكن الافادة من هذا البحث في مجالات عِدَّةٍ ، منها : أصول الفقه التفسير ، الفقه مدارس فقهية ، علوم القرآن ، التفسير الفقي ، القواعد ، الدلالة القرآنية ، مباحث الالفاظ ومباحث التعادل والترجيح بين الأدلة ، الصلة بين علوم الشريعة ، البحث القرآني بعامة ، والبحث الفقهي القائم على الأصل القرآني بخاصة .
الدراسات السابقة : لم نجد في حدود تتبعنا بحثا تناول قواعد أصول في التفسير في كنز العرفان للسيوري ، بالرغم من الدراسات الكثيرة التي تناولت الكنز من حيثيات متعددة ؛ لذا هي دراسة بكر في هذا الباب لم يسبقنا إليها أحد حسب تتبعنا .
مصادر البحث ومراجعه : قام البحث على مصادر عديدة أولها كنز العرفان في فقه القرآن للسيوري الحلي ، والمصادر الأصولية ؛ لتوثيق القواعد الأصولية التي استعان بها السيوري ، والكتب الفقهية لتوثيق الآراء الفقهية من الفقه الإمامي ، وفقه المذاهب الإسلامية الأخرى : الحنفية ، المالكية الشافعية ، والحنابلة .
خاتمة البحث ونتائجه : وقد توصل البحث إلى نتائج هامة لخَّصها الباحثان في الخاتمة .
التمهيد : تحديد مفهوم القواعد الأصولية
1- القاعدة في اللغة
- قال الفراهيدي : أبو عبد الرحمن ، الخليل بن أحمد (ت/175ه) : القَواعِد : جَمْعٌ مفرده : قَاعِدَة والقَواعِد : أَسَاسُ البَيْتِ ، وقَوَاعِدُ الرَّمْلِ : مَا ارْتَكَنَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وقَوَاعِدُ الْهَوْدَجِ : خَشَبَاتٌ أَرْبَعٌ مُعْتَرِضَاتٌ في أسْفَلِهِ قَدْ رُكِّبَ الْهَوْدَجِ فِيهِنَّ (1) ، وقال ابن فارس : أبو الحسين ، أحمد بن فارس بن زكريا (ت/395ه) : قَواعِد البيت : أَسَاسُهُ ، وقَوَاعِدُ الْهَوْدَجِ : خَشَبَاتٌ أَرْبَعٌ مُعْتَرِضَاتٌ في أسْفَلِهِ (2) ، وقال الراغب الأصفهاني : أبو القاسم ، الحسين بن محمد بن المُفَضَّل (ت/503ه) : قَوَاعِدُ البِنَاءِ : أَسَاسُهُ ، وقَواعِدُ الهَوْدَجِ : خَشَبَاتُهُ الجَارِيَةُ مَجْرَى قَواعِدِ البِنَاءِ (3) ، وقال الرازي : زين الدين ، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (ت/666ه) : قواعِدُ البَيْتِ : أساسُهُ (4) ، وقال ابن منظور : أبو الفضل ، جمال الدين محمد بن مكرم (ت/711ه) : القاعدة : أصْلُ الأس والقواعد : الأساس ، وقواعد البيت : أساسه ، ونقل قول أبي عُبَيْد ، القاسم بن سلاّم الهروي (ت/224ه) :قَواعِدُ السَّحَابِ : أصُولُهُا المعترضة في آفاق السماء شُبِّهَتْ بقَواعِد البِنَاءِ ، ونقل قول الزجاج : أبي إسحاق ، إبراهيم بن محمد بن السري البغدادي (ت/311هـ): القواعِدُ : أسَاطِينُ البِنَاءِ التي تعمده ، وَقَواعِدُ الهَودَجِ : خَشَبَاتٌ أَرْبَعٌ مُعْتَرِضَاتٌ في أسْفَلِهِ تُرَكَّبُ عِيدَانُ الهَودَجِ فِيهَا ونقل قول ابن الأثير : أبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد (ت/606ه) : القَواعِدُ : ما اعتَرَضَ منها وسَفُلَ تَشْبِيهًا بقَواعِدِ البِنَاءِ (5) وقال الفَيُّومِي : أبو العباس ، أحمد بن محمد بن علي (ت/770ه) : قَواعِدُ البَيْتِ (6) : أساسُهُ ، وقال الفيروز آبادي : أبو طاهر مجد الدين محمد بن يعقوب (ت/817ه) : قواعد الهَوْدَج : خَشَباتٌ أرْبَعٌ تَحْتَهُ رُكِّبَ فِيهِنَّ (7) .
- لدى تتبعنا أقوال اللغويين بدءًا من الفراهيدي ، وانتهاءً بالفيروز آبادي وجدنا أنَّ اللغويين يتفقون على معنى واحد ، هو (قواعد) على وزن (فواعل) جمع مفرده (قاعدة) على وزن (فاعلة) والقاعدة : أصل الأس ، والقواعد : الأساس وأساطين البناء ، وقواعد البيت : أساسه ، والمعنى اللغوي لـ (القواعد) ناظر إلى الجانب الحسي (المادي) ، نحو : (قواعد البيت ، قواعد الرمل قواعد الهودج ، وقواعد السحاب تشبيها بقواعد البناء) وهم عيال على الفراهيدي فيما ذكروا من معنى للقواعد ،
2- القاعدة في الاستعمال القرآني
- قد استعمل القرآن الكريم لفظة القواعد في ثلاثة مواضع أما الموضع الأول ، فقد استعملها فيه بمعنى : المسنات من النساء اللاتي قعدن عن التزويج (8) ، قال تعالى : { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (9) وهذا المعنى خارج مدار البحث وأما الموضعان الثاني والثالث ، فقد استعملها فيهما بمعنى : الأساس والأصل لما فوقه (10) ، قال تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } (11) والقواعد هنا جمع قاعدة وهي السافات ؛ لذا جمعها فكل ساف قاعدة لما فوقه وبناء لما تحته ، ومعنى (يرفع) أي : يثبت ويبني ، فإن كل ساف إذا فرغ منه يتصف بالثبوت ورفع البناء أمر لازم لثبوته (12) ، وقال تعالى : { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} (13) ، أي : الأساس(14) وهذا المعنى هو مدار البحث
3- القاعدة في الاصطلاح الأصولي
- وعرفها الفَيُّومِي : أبو العباس ، أحمد بن محمد بن علي (ت/770ه) قائلاً : القَاعِدَة في الاصطلاح بمعنى : الضَّابِطُ ، وهي الأمرُ الكُلِّيُّ المُنْطَبِقُ عَلَى جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ )) (15) ، والفيومي وإن كان مصنَّفه معجما لغويا ، إلا أنَّه في الوقت نفسه كان يعنى بإيراد التعريفات الاصطلاحية ؛ لأنَّه فقيه من فقهاء الشافعية ، وحين يورد التعريف الاصطلاحي يُصَرِّحُ بذلك ؛ لذا أوردنا تعريفه هنا .
- عرف فخر المحققين : أبو طالب ، محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (ت/771ه) – ابن العلامة الحلي : أبو منصور ، جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن المطهر الحلي (ت/726ه) – من أعلام مدرسة الحلَّة الفقهية القاعدة في الاصطلاح الأصولي بأنَّها هي : (( أَمْرً كُلِّي يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَيُسْتَفَادُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْهُ ، فَهُوَ كَالْكُلِّي لِجُزْئِيَّاتِهِ وَالْأَصْلُ لِفُرُوعِهِ )) (16) .
- وعرفها الشريف الجرجاني (ت/816ه) قائلاً : (( قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها (( (17)








المبحث الأول : السُّيُورِي ، مُصَنَّفَاتُهُ ، تَفْسِيرُهُ
المطلب الأول : السُّيُورِي الحِلّي
الفرع الأول : اسمه وشهرته
أما لقبه ، فهو جمال الدين ، وأما كنيته ، فهي أبو عبد الله ، وأما اسمه ، فهو المقداد بن عبد الله وأما شهرته ، فهي الفاضل السُّيًوري ، أو المقداد السيوري ، وأما نسبه فهو السيوري ، الحلي والأسدي (18) ، أما السيوري فهو نسبة إلى القرية التي ولد فيها ، وهي (سُيُور) إحدى القرى التابعة للحلة و(سُيُور) – بضم السين والياء – في اللغة : جمع مفردة : (سَيْر) : الذي يُقَدُّ من الجِلْدِ (19) . ويبد ولي : أنَّ هذه القرية كانت تشتهر ببيع الجلود التي تصنع منها الأحزمة ، أو إنها تشتهر بصناعة الأحزمة لذا سميت بهذه الاسم والله أعلم . أما الحلي فهو نسبة إلى الحلة مدينته وأما الأسدي فهو نسبة إلى قبيلته بني أسد ، وفاته : توفي في النجف الأشرف سنة (826ه) ، أي : بعد مائة عام مضت على رحيل العلامة الحلي (ت/726ه) (20) ، ودفن في مقبرة السلام .
الفرع الثاني : شيوخه وتلامذته
أبرز شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم الشهيد الأول : محمد بن مكي العاملي (ت/786ه) وقد صرَّح السيوري في كنز العرفان أنَّ الشهيد الأول شيخه ، فقد نقل عنه بعض أقواله ففي مسألة : وجوب الرد على المصلي ، إذا سلِّمَ عليه ، فلو أخل هل تبطل صلاته ، إذ قال : (( قال بعض شيوخنا المعاصرين : لا )) (21) ، وقد أثبت محقق الكنز محمد القاضي أن هذا الشيخ هو الشهيد الأول (22) وخرج قوله من كتابه البيان (23) ، والشهيد الأول تتلمذ على يد فخر المحققين : محمد بن الحسن – نجل العلامة الحلي – (ت/771ه) ، وفخر المحققين تتلمذ على يد أبيه العلامة الحلي : الحسن بن المطهَّر (ت/726ه) (24) والمشهورون من تلامذته : ابن راشد الحلي (25) ، وهو الذي أرَّخ وفاة أستاذه السيوري (26) ، والقطان الحلي (حي في / 832ه) (27) ، وابن فهد الحلي (ت/841ه) ، وابن العلالا – أو ابن العلالة – أجازه السيوري سنة (822ه) (28) ، أي : قبل وفاته بأربع سنين .
الفرع الثالث : مكانته العلمية
مكانته العلمية : ثقافته موسوعية ، فهو مفسر مميز ، وفقيه بارع ، وأصولي يشار إليه بالبنان ومتكلمي قوي الحجة ، آلت إليه الزعامة الفقهية في الربع الأخير من القرن الثامن الهجري ، فهو زعيم مدرسة الحلة الفقهية بعد وفاة الشهيد الأول ، إلا أنَّ حياته العلمية توزعت بين مدرستين فقهيتين عظيمتي الشأن هما : مدرسة الحلة الفقهية ومدرسة النجف الأشرف الفقهية فهو تتلمذ في الحلة وصار زعيما لمدرستها الفقهية ، أما في النجف الأشرف فلم يكن إلا زعيما لمدرستها الفقهية ، بعد أن هاجر إليها من الحلة في العَقْد الأخير من القرن الثامن الهجري ، أي بعد سنة (790ه) على ما هو مُرَجَّح (29) . فقد بنى مدرسة دينية عرفت باسمه (مدرسة المقداد السيوري) – في محلة المشراق اليوم – وهي أول مدرسة دينية تبنى في النجف الأشرف (30) ، وقبل السيوري كان الدرس الفقهي يعطى في الإيوانات التابعة للصحن العلوي الشريف ونفهم من هذا شهرة السيوري وانتشار صيت درسه في الآفاق فَأُخِذَت تشد إليه الرحال ، ولما ضاق الإيوان بعدد الطلبة اضطر السيوري إلى بناء مدرسة علمية لطلابه خارج الصحن الحيدري لكي تسعَ طلابه والله أعلم .
المطلب الثاني : مصنفاته العلمية
مصنفات السيوري كثر ، بيد أنَّ الباحثين ركزا على المطبوع منها ، وما له صلة بالتفسير من غير المطبوع لأنَّ حدود البحث دائرة التفسير ، ولم يغفلا الدراسات المعاصرة التي لها صلة بالمطبوع على مستوى البحوث والأطاريح والرسائل الجامعية ، وقد قدَّم الباحثان المصنفات العقائدية على المصنفات التفسيرية ؛ لأنَّ العقائد أصل لعلوم الشريعة ، وما عداها – من علوم الشريعة ، كالتفسير ونحوه – يبنى عليها (31) ، أي : إنَّها قدِّمت لأنَّها أصل ( والأصل تتبعه الفروع ) .
الفرع الأول : المصنفات العقائدية
المصنفات العقائدية التي وصلتنا وهي مطبوعة : النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ، فهو شرح على متن للعلامة الحلي (ت/726ه) الموسوم : الباب الحادي عشر وسبب تسمية المتن بهذا الاسم لأن العلامة الحلي اختصر كتاب (مصباح المتهجد) للشيخ للطوسي (ت/460ه) ، ورتبه في عشرة أبواب وسماه : منهاج الصلاح في مختصر المصباح ولما كانت تلك الأبواب قائمة على العبادات والأدعية ، أي : فقه وأخلاق ، ويعوزها مبحث عقائدي ، فأراد أن يسد ذلك النقص فألف مبحثا عقائديا ، وألحقه بتلك الأبواب العشرة وسماه : الباب الحادي عشر (32) ، والسيوري قد فصل المتن العقائدي : وسماه : الباب الحادي عشر ، ثم شرحه دارجا الشرح بعد ذكر المتن في كل مطلب ، المسمى : النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ، وقد كتبت عنه رسالة ماجستير للدكتور حسين علي الحسيني بعنوان : بيان النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر .
الفرع الثاني : المصنفات التفسيرية
1- كَنْزُ الْعِرفَانِ فِي فِقْهِ الْقُرْآنِ
- وهو كتاب مشهور مطبوع يقع في جزءين محقق حققه السيد محمد القاضي ، ونشره المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب ؛ ولأهميته وشهرته كتبت عنه دراسات ورسائل جامعية ، فقد كتب أستاذنا الدكتور عبد الأمير كاظم زاهد أستاذ الدراسات العليا في كلية الفقه جامعة الكوفة بحثا بعنوان : منهج المقداد السيوري في كنز العرفان ونشرته مجلة فقه أهل البيت في العدد السادس والعشرين لسنة 2005م ، ثم وجَّه أحد تلامذته بدراسة السيوري ، وهو زميلنا الدكتور عدي جواد الحجار فكتب عنه رسالة ماجستير بعنوان : المقداد السيوري وجهوده التفسيرية في كنز العرفان قدمت إلى كلية الفقه / جامعة الكوفة ، سنة 2006م ، وقد خصص فرع عنه بعنوان : النشاط في ميدان التفسير الفقهي في أطروحة الدكتوراه الموسومة بـ : التأصيل والتجديد عند مدرسة الحلة الفقهية ، دراسة تحليلية ، قدِّمت إلى كلية الفقه / جامعة الكوفة سنة 2012م (33) ونلحق بتلك الدراسات هذه الدراسة الموسومة بـ : القواعد الأصولية في التفسير ؛ قراءة في كنز العرفان للسُّيُورِي الحلي (ت/826ه) .
2- تَفْسِيرً مُغْمَضَاتِ الْقُرْآنِ
- وهو تفسير مختصر حدوده ما كان غامضا من الألفاظ في النص القرآني ، وقد كتبه السيوري على هامش القرآن ، وهو كتاب – على ما يبدو لنا – مرَّ بمرحلتين ، أما المرحلة الأولى ، فقد فسَّر فيها الألفاظ الغامضة التي تحتاج إلى بيان قبالها على هامش الورقة ، وأما المرحلة الثانية ، فقد جمع تلك الهوامش ، ودونَّها في كتاب مستقل سمَّاه : تفسير مغمضات القرآن ، وقد صرَّح أغا بزرك الطهراني : محمد محسن بن علي بن محمد رضا (ت/1389ه) أنَّه رآه في مكتبة مدرسة البادكوبي الدينية بكربلاء المقدسة (34) ، والكتاب لم يصل إلينا ولم نطلع عليه ؛ لذا يبقى قولنا في دائرة الاحتمالات ، وإنما قلنا الغموض في الألفاظ ؛ لأنَّ القرآن لا غموض في معانيه ؛ لأنَّ القرآن أحكمت آياته ثم فصلت ؛ ولأنَّه كتاب بيان ، والبيان يتعارض مع الغموض ، وينافي الغرض من نزوله ويحتمل أن يكون الغموض في المعاني ، إلا أنَّ هذا الغموض يزول عند النظر والتأمل ، ويرتفع الغموض بضم النص إلى نص قرآني آخر في الدراسات الموضوعية ، أو بالوقوف على البيان النبوي أو البيان الإمامي الصادر عن أئمة أهل البيت ( صلوات الله عليهم أجمعين ) . وربما يكون الغموض بلحاظ المتلقي ، أي : إنَّه غامض لدى الطالب ، أما لدى شيخه ، فهو ليس بغامض وربما اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ، مثله مثل الكتب التي كتبت في غريب القرآن ، ولا غرابة في القرآن .
المطلب الثالث : تفسيره الكنز
الفرع الأول : نمط الكنز
إنَّ نمط تفسير كنز العرفان – أسلوب كتابته – التفسير الموضوعي ، فهو قد جمع الآيات القرآنية التي تناولت موضوع الطهارة تحت كتاب واحد هو الطهارة ، وتناول الآيات التي تناولت موضوع الصلاة تحت كتاب واحد هو كتاب الصلاة ، وهكذا حتى انتهى إلى الديات فقد جمع الآيات القرآنية التي تناولت موضوع الديات تحت كتاب الديات ، ويعد السُّيُوري مؤصلا في هذا الباب في الفكر الإمامي ، فهو أول تفسير فقهي على هذا النمط عند الإمامية أما في الفكر الإسلامي بعامة فهو ثان تفسير ؛ لأنَّ البيهقي (ت/458ه) له تفسير فقهي سماه : أحكام القرآن ، وهو مكتوب على وفق هذا النمط – الموضوعي – وهو أسبق من السيوري ، هذا بلحاظ ما وصل إلينا ، أما بلحاظ ما أشارت إليه المصادر التاريخية فقد أشارت إلى وجود كتاب تفسير لابن السائب الكلبي ، ويقيناً أن نمطه موضوعي ؛ لأن كتابات القرن الثاني الهجري كانت تتناول قضية جزئية وتكتب فيها (35) .
الفرع الثاني : لون الكنز
أما إذا أغفلنا النمط فهو ثان تفسير فقهي عندهم ؛ لأن أول تفسير فقهي – وصل إلينا – هو فقه القرآن لقطب الدين الراوندي ، إلا أنَّه تفسير تسلسلي ،
لون تفسير كنز العرفان تفسير فقهي مقارن ؛ لأنَّه يعرض فيه آراء الفقهاء لا آراء المفسرين فهو يعرض رأي فقهاء الإمامية ، والمفسر إن كان فقيها يرجع إلى كتابه الفقهي لا كتابه التفسيري ، فمثلا حين يذكر رأي الشيخ الطوسي (ت/460ه) يرجع إلى كتاب الخلاف – وهو كتاب فقهي مقارن – ولا يرجع إلى كتاب التبيان ؛ لأنَّه كتاب تفسير . ويرجع أيضا إلى فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى ، فيذكر رأي أبي حنيفة النعمان (ت/150ه) ، ورأي مالك بن أنس (ت/179ه) ، ورأي الشافعي (ت/204ه) ، ورأي أحمد بن حنبل (ت/241ه) ويعرض دليل كل فقيه من الفقهاء ، ثم يناقش تلك الأدلة ، ويرد ما يراه ليس براجح ويرجح ما يراه راجحاً ؛ مستنداً في ذلك إلى الدليل ، ومن جملة ما مرجحاته القواعد الأصولية (36)
الفرع الثالث : منهج الكنز
إنَّ منهج كنز العرفان منهج فقهي رتبه حسب الأبواب الفقهية ، فقد بدأ بكتاب الطهارة وانتهى بكتاب الديات ، وقسَّمَه قسمة فقهية ثلاثية : عبادات ، معاملات ، وأحكام (37) .





المبحث الثاني
القواعد الأصولية في مقدمة كنز العرفان
والقواعد الأصولية التي أوردها السُّيُورِي في المقدمة ، وذكر ما يؤيد كونها قواعد أصولية هي : قاعدة : (العام والخاص) ، وبيَّن ألفاظ العموم ، وقال عقب ذكرها : (( وتحقيقه في الأصول )) (38) ، وقاعدة : (المجمل والمبين) ، ثم أورد قائلاً : (( وتحقيق ذلك كله في أصول الفقه )) (39) . والبحث عرض القواعد الأصولية التي مثلت النظرية الأصولية للسُّيُورِي الحلي بدقة وتفصيل لما لها من أهمية ؛ ولأنها تمثل مقدمة ينطلق منها الفقيه والمفسر معاً في كيفية التعامل مع النص القرآني في الجانب التطبيقي .
المطلب الأول : قواعد دلالة الألفاظ على المعاني
الفرع الأول : الجانب النظري
- لما كان مدار البحث عند السُّيُورِي النص القرآني المنتج للحكم الفقهي- آيات الأحكام – فقد بين في مقدمة تفسيره كنز العرفان دلالة الألفاظ على المعاني على وفق المنهج الأصولي ، حين عرض النظرية الأصولية ، وقصرها على الأصل الاجتهادي الأول (الكتاب) ، ووضَّح ما له علاقة بدلالة ألفاظ هذا الأصل على المعنى ؛ لأنَّ الحكم هو مدار المعنى الذي يدل عليه اللفظ ، وقد قسَّم دلالة اللفظ على المعنى على النحو الآتي :
1- النَّصُّ : هو لفظ مفيد – وضعاً – لم يحتمل غير ما فهم منه بالنظر إليه (40)
2- الظاهر : هو لفظ يحتمل غير ما فهم منه ، وَهو الراجح بالنظر إليه (41)
3- المجمل : هو لفظ يحتمل معنيين ، وقد تساوى الاحتمالان بالنظر إليه (42)
4- المؤول : هو لفظ يحتمل غير ما فهم منه ، وهو غير الراجح بالنظر إليه (43)
- ومعيار التقسيم عند السُّيُورِي هو الاحتمال وعدمه ، أي : احتمال اللفظ لمعنى ثان غير المعنى الذي فهم من اللفظ بالنظر إليه ، أو عدم احتمال اللفظ لمعنى ثان ، فإن لم يحتمل فهو (النص) وإن احتمل معنى ثان ، فالراجح منهما هو (الظاهر) والمرجوح منهما بالنظر إليه هو (المؤول) ، ولا يلجأ إليه إلا إذا تعارض المعنى الظاهر - الراجح – مع العقل ؛ بحيث لا يمكن حمل اللفظ عليه وإن تساوى الاحتمالان كلاهما ، فهو (المجمل) ، ويتوقف تعيين أحدهما على البيان ، والبيان إما يكون من القرآن نفسه ، وإما يكون من خارج القرآن ، والبيان الخارجي ينحصر في البيان النبوي الوارد عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والبيان الإمامي الوارد عن أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) . وبعد أن عرض الجانب النظري لقواعد دلالة الألفاظ على المعاني ، عرَّج على الجانب التطبيقي ؛ وهو بهذا يكون قد جمع بين النظرية والتطبيق في آن واحد
- الفرع الثاني : الجانب التطبيقي
- نموذج (1) : نموذج (النص)
- قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }(44) ، فاللفظ (أحد) نص في دلالته على المعنى ؛ لأنَّه لا يحتمل غير الوحدانية (45) . وهذا المثال سليم جدا ، إلا أنَّه في دائرة العقائد ، وكان الأجدر بالسيوري أن يأتي بمثال في دائرة الفقه ؛ لكي ينسجم مع (فقه القرآن) الذي عنون به تفسيره : كنز العرفان في فقه القرآن .
- نموذج (2) : نموذج (الظاهر)
- قال تعالى : {... وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ...}(46)، (47)
- نموذج (3) : نموذج (المجمل)
- قال تعالى : { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ }(48) ، عسعس : لفظ مجمل ؛ لأنَّه يدل على معنيين هما (أقبل) و(أدبر) بالنظر إليه (49) ، وما قيل عن لفظة (أحد) يقال هنا فالمثال لم يكن في دائرة الفقه ، وإنما هو في الظواهر الكونية التي تثبت وجود الإله ، وتندرج تحت دائرة العقائد .
- نموذج (4) : نموذج (المؤول)
- قال تعالى : {... يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...}(50) لفظة (يد) : تدل على معنيين هما : (الجارحة) و(القدرة) (51) والمعنى الظاهر هو الجارحة ، إلا أنَّه يتعارض مع العقل ؛ لذا لا بد من اللجوء إلى المعنى المرجوح وهو القدرة ، وهو ينسجم مع العقل .
- وهذا التقسيم نفسه قد وجدناه عند العلامة الحلي (ت/726ه) ، أي : إنَّ من جاء بعده قد حذا حذوه في هذا الباب ، أي : إنَّ السيوري تأثر بما ورد عن العلامة الحلي واقتفى أثره من جهة ، وإنَّ هذه القواعد قد استقرت فلم يجر عليها أي تغيير منذ عصر العلامة حتى عصرنا الحالي
- المطلب الثاني : قواعد البيان للألفاظ ضيقاً واتساعاً
- الفرع الأول : قواعد تضييق دائرة البيان
1- العام والخاص
أ‌- العام : اللفظ الدال على الماهية بقيد الكثرة الشاملة ، أي : بألفاظ موضوعة للعموم وهي ( كل جميع ، متى ، من ، ما ، حيثما ، أَنَّى ، الجمع المعرف باللام ، والجمع المضاف ) (52) .
ب‌- الخاص : لفظ يرد على العام يخرج بعض ما يصح أن يتناوله لفظ العام ، ويسمى هذا اللفظ الخاص مخصصا ، ويسمى اللفظ العام مخصوصاً (53) .
- فالخاص لفظ يضيق دائرة بيان العام ، فالحكم يسري على ما أبقاه الخاص من أفراد العام ، أما ما خرجه الخاص من أفراد العام ، فالحكم ليس بشامل له .
2- المطلق والمقيد
أ‌- المطلق : اللفظ الدال على الماهية من حيث هي من دون قيد وحدة أو كثرة (54) .
ب‌- المقيد : لفظ يرد على المطلق قيد الماهية بصفة زائدة ، ويسمى هذا اللفظ مقيدا ويسمى المطلق مقيدا (55) .
- فالمقيد لفظ يضيق دائرة بيان المطلق ، فالحكم يسري على ما أبقاه القيد من ماهية المطلق ، أما ما خرجه القيد من ماهية المطلق ، فالحكم ليس بشامل له .
- فالعام والمطلق : يشتركان في أن كلا منهما عام ، ويرد عليه ما يضيق دائرة بيانه ويفترقان في الدلالة على العام ، فالعام : لفظ يدل على الماهية يفيد الكثرة الشاملة في حين أن المطلق لفظ يدل الماهية من حيث هي لا بقيد وحدة أو كثرة .
- الفرع الثاني : قواعد اتساع دائرة البيان
- المجمل والمبين
أ‌- المجمل : المجمل : هو لفظ يحتمل معنيين ، وقد تساوى الاحتمالان بالنظر إليه (56)
ب‌- المبين : لفظ يرد على المجمل يعين أحد معنييه المحتملين ، ويسمى هذا اللفظ مبيناً ويسمى المجمل مبيناً (57) .
- فالمبين لفظ يُوَسِّعُ دائرة البيان ؛ لأنه يحرك المجمل من دائرة غير الواضح إلى دائرة الواضح ومن دائرة التوقف في الحكم ، إلى دائرة وجوب العمل به . فالمبين وسع دائرة البيان الكلية ؛ لأنَّهُ أضاف المجمل بعد بيانه إلى ( النص ، الظاهر المؤول ) وهذا توسعة لدائرة البيان الكلية ، بل الكشف عن أن دائرة الفقه دائرة بيان كلها .






المبحث الثالث
القواعد الأصولية المسندة إلى أصول الفقه
والقواعد الأصولية التي أوردها السُّيُورِي ، وذكر ما يؤيد كونها قواعد أصولية ، هي :
المطلب الأول : قواعد الأمر
1- قاعدة : الأمر حقيقة للوجوب
- وفي كتاب الطهارة ذكر قوله تعالى : { ... فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ...}(58) وبين أنَّ الأمر حقيقة للوجوب على قول الأكثرين ، فقال : (( وتحقيقه في الأصول )) (59)
2- قاعدة : الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدِّه
أ‌- في النية في العبادات أورد أنَّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ، وعقبه قال : (( لما تقرر في الأصول )) (60) ،
ب‌- وفي كتاب المطاعم والمشارب أورد قاعدة : الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدِّه ، وأوضح أنها قاعدة أصولية ، بقوله : (( كما قرر في الأصول )) (61) ،
3- قاعدة : الأمر بالكل أمر بكل واحد من أجزائه
- ولأن الأمر بإقامة الصلاة لا يستلزم الأمر بالركوع ؛ استنادا إلى القاعدة : الأمر بالكل أمر بكل واحد من أجزائه (62) ،
4- قاعدة : الأمر الوارد عقيب الحظر للإباحة
في الصلوات الواجبة غير اليومية ، في صلاة الجمعة ذكر قاعدة الأمر الوارد عقيب الحظر للإباحة وبين أنها قاعدة أصولية محل خلاف عند الأصوليين ؛ إذ قال : (( اختلف الأصوليون في الأمر الوارد عقيب الحظر ، هل هو للوجوب ، أو للإباحة الرافعة للحظر )) (63) ، وبين أن مما احتج به القائلون : أن الأمر الوارد عقيب الحظر للإباحة قوله تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ...}(64) فالانتشار ورد عقيب الحظر في قوله تعالى : {... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ...}(65) فالأمر بالانتشار أطلق لهم ما حرمه من المعاملة ، والانتشار ليس بواجب اتفاقا (66) وقوله تعالى : {... فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ? وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى? يَطْهُرْنَ ? فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ...}(67) ، وذهب السيوري إلى أن الأمر في آية الاعتزال لمطلق الرجحان فهو للوجوب كما لو كان قد اعتزلها أربعة أشهر ، آخرها أول زمان الانقطاع والغسل وكذا لو وافق انقضاء مدة التربص في الايلاء والظهار ، وهو للندب كما في اقتضاء الحال ذلك (68) ، إلا أنه صرح أن الأمر بالاصطياد في قوله تعالى : {.. وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ..}(69) الوارد عقيب الحظر للإباحة والحظر – التحريم – كان مطلقا يشمل صيد البر والبحر في قوله تعالى : {... لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ... }(70) ، ثم قيد التحريم بصيد البر للمحرم في قوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدَ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وُحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدَ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ... }(71) ، ثم انتهى إلى أنَّ قوله (فاصطادوا) أمر إباحة بعد أن كان الصيد حراما في حال الإحرام (72) وواضح انَّ قاعدة الأمر الوارد عقيب الحظر هي نتاج من نتاج التفسير الموضوعي ، ولا ريب في ذلك لأن الفقه ولد في احضان الحديث والحديث ولد في احضان التفسير .
- المطلب الثاني : قواعد النهي
1- قاعدة : النهي في العبادة يقتضي الفساد
- في كتاب الصوم ، في بيان قوله تعالى : {... وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ...}(73) بين أن المباشرة تبطل الاعتكاف ؛ استنادا إلى القاعدة الأصولية : النهي في العبادة يقتضي الفساد وتقرير ذلك : أنَّ المباشرة منهي عنها في الاعتكاف ، فإن أتي بها فهي مبطلة للعمل العبادي الاعتكاف وبعد أن ذكرها أكد أنها قاعدة أصولية (74) ، إذ قال : (( كما تقرر في الأصول )) (75) . والنهي في العبادة إنما اقتضى الفساد ؛ لأنَّه لو تعلق بالعمل العبادي ، أو بجزء منه ، أو بلازم من لوازمه فإنَّه يفسد (76) .
2- قاعدة : النهي في المعاملة لا يقتضي الفساد
3- في مسألة : هل يقتضي النهي عن البيع فساده أم لا ؟ ذهب إلى الثاني استنادا إلى القاعدة : النهي في المعاملة لا يدل على الفساد ؛ وعقب أنها قاعدة أصولية بقوله : (( وهو الحق لما تقرر في الأصول )) (77) ، قال تعالى : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ...}(78)
4- ذهب مالك (ت/179ه) (79) ، وأحمد بن حنبل (ت/241ه) (80) إلى فساد البيع المنهي عنه ؛ استناداً إلى أنَّ النهي في المعاملة يقتضي الفساد ، وبه قال الشيخ الطوسي (ت/460ه) في المبسوط (81) .
5- في حين ذهب أكثر الجمهور إلى صحة البيع (82) ؛ استنادا إلى أنَّ النهي في المعاملة لا يقتضي الفساد وبه قال الشيخ الطوسي (ت/460ه) في الخلاف (83) ، والسيوري رجح الرأي الثاني قائلاً : (( وهو الحق لما تقرر في الأصول )) (84) ، وذكر القاعدة الأصولية : النهي في المعاملة لا يقتضي الفساد وبين صحة القاعدة ببيان أن النهي يتعلق بإيقاع الفعل ، لا ذاته ، وبين أنه لا مانع من أن يقول : حرمت عليك البيع ، ولو بعت انعقد (85) .
- المطلب الثالث : قواعد اللفظ الواحد
1- قواعد الحقيقة
أ‌- قاعدة : ثبوت الحقيقة الشرعية لوجود خواصِّها
- في كتاب الصلاة في بيان قوله تعالى : { ... وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ...} (86) ، حمل اللفظ على المعنى الشرعي ؛ لـ ( ثبوت الحقيقة الشرعية لوجود خواصِّها ) ، ثم بين أنها مقررة في الأصول ؛ إذ قال : (( وقد قرر ذلك في الأصول )) (87) ،
ب‌- قاعدة : وجوب حمل اللفظ على الحقيقة
- وفي أسباب التحريم ذكر قاعدة : وجوب حمل اللفظ على الحقيقة وبين أنها قاعدة أصولية ، إذ قال : (( لما تقرر في الأصول )) (88) .
2- قواعد الاشتراك
- قاعدة : لا يجوز استعمال المشترك في معنييه
1- وعند ايراد قوله تعالى : { ... وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ... }(89) بين بطلان استعمال المشترك في معنييه ، وقال : (( وهو باطل لما تقرر في الأصول )) (90) ،
2- وفي المندوبات ذكر أنَّ استعمال (قوموا) للوجوب في قيام الصلاة ، واستعمالها للندب في القنوت لا يجوز ؛ استناداً إلى القاعدة : لا يجوز استعمال المشترك في معنييه ، وبين أنها قاعدة أصولية إذ قال : (( كما تقرر في الأصول )) (91) .
- المطلب الرابع : قواعد اللفظين
- قواعد الترادف
- قاعدة : يجوز إقامة المترادفين مقام الآخر
- في الصلوات على أهل البيت ( صلوات الله عليهم أجمعين ) في بيان قوله تعالى : { أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ...} (92) استند إلى قاعدة : يجوز إقامة المترادفين مقام الآخر ، وأشار إلى كونها قاعدة أصولية ، إذ قال : (( لما تقرر في الأصول )) (93) .
- المطلب الخامس : قواعد العموم
1- قاعدة : خصوص السبب لا يخصِّصُ العام
أ‌- في مقدمات الصلاة ، في قوله تعالى : {... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ... }(94)
- إنَّ سبب نزولها نزلت في بني عامر ؛ لأنهم كانوا في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتاً ، ولا يأكلون دسماً ، إلا أنها ليست خاصة بهم ، وإنما هي في المسلمين عامتهم ؛ استناداً إلى القاعدة الأصولية : خصوص السبب لا يخصص العام ، وصرَّح أنها قاعدة أصولية ؛ إذ قال : (( كما بُيِّنَ في الأصول )) (95) .
ب‌- في بيان سبب نزولها هل نزلت في الروم أم نزلت في المشركين عام الحديبية ، وضَّحَ أنَّ حكمها عام مستندا في ذلك إلى قاعدة ( الاعتبار بعموم اللفظ ) ، أي : العبرة بعموم اللفظ لا بخوص السبب أو قاعدة ( خصوص السبب لا يخصص العام ) – أي : لا يخصص مورد العام - وقبل أن يحتج بالقاعدتين قال : (( قد بين في الأصول )) (96) ثم ذكر هما .
ت‌- في قبض الزكاة بين أنَّ قوله تعالى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ... } (97) نزلت في شأن من تخلف عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا أنَّها غير مقتصرة عليهم ، بل هي عامة ؛ استناداً إلى القاعدة : خصوص السبب لا يخصص العام ، ثم بيَّن أنَّها قاعدة أصولية ، بقوله : (( قد تقرر في أصول الفقه )) ثم أوردها (98) .
ث‌- وفي كتاب النكاح نفسه ذكر قاعدة : خصوص السبب لا يخصص العام ، وأكد تقريرها عند الأصوليين ، قائلاً : (( وقد تقرر في الأصول )) (99) .
2- قاعدة : الجمع المعرف للعموم
- في مقدمات الصلاة ، بين أنَّ مساجد الله في قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ...} (100) عامة في كل مسجد ؛ استنادا إلى قاعدة : ( الجمع المعرف للعموم ) ، وأسند هذه القاعدة إلى الأصوليين بقوله : (( كما بُيِّنَ في أصول الفقه )) (101) ،
- المطلب السادس : قواعد التخصيص
1- قاعدة : العادة لا تخصص
- في تخصيص الصلوات بالنبي دون أهل بيته نفى التخصيص استنادا إلى قاعدة : العادة لا تخصص ، وبين أنها قاعدة أصولية ، إذ قال : (( إن قلت : عادة السلف قصره على الأنبياء ، قلت : العادة لا تخصص ؛ لما تقرر في الأصول )) (102) .
2- قاعدة : رفع المركب لا يستلزم رفع جميع أجزائه
- وفي الوصية ذكر قاعدة : رفع المركب لا يستلزم رفع جميع أجزائه ، ثم أسند القاعدة إلى الأصوليين بقوله : (( لما تقرر في الأصول )) (103) .
3- قاعدة : التخصيص خير من النسخ
1- في الوصية ذكر قاعدة : التخصيص خير من النسخ ، ثم أسند القاعدة إلى الأصوليين ، إذ قال : (( لما تقرر في الأصول )) (104) .
2- وفي أسباب التحريم ذكر قاعدة أصولية أيضا قوى ما ذهب إليه بقاعدة أصولية : التخصيص خير من النسخ وأشار إلى تقريرها عند الأصوليين ، بقوله : (( لما تقرر في الأصول )) (105) ،
6- قاعدة : التخصيص أولى من النقل
- وفي الطلاق ذكر قاعدة : التخصيص أولى من النقل ، وبين أنها قاعدة أصولية ، بقوله : (( لما تقرر في الأصول )) (106) ،
7- قاعدة : الزيادة على النص ليس نسخاً
- وفي كتاب القضاء والشهادات ذكر قاعدة : الزيادة على النص ليس نسخاً على الأصح ، وبين أنها قاعدة أصولية ، إذ قال : (( وقد تقرر في الأصول )) (107) .
المطلب السابع : قواعد المعاني
- قاعدة : التأسيس أولى من التأكيد
- وفي قوله تعالى : { ... وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } (108) لم يجوز حمل (اركعوا) على الصلاة ؛ استنادا إل القاعدة : التأسيس أولى من التأكيد ، وبين أنها قاعدة أصولية ، إذ قالها : (( لما تقرر في أصول الفقه )) (109) .
المطلب الثامن : قواعد المفاهيم
- قاعدة : مفهوم المخالفة
- وفي أفعال الحج بين أنَّ الذكر لا ينقطع بانقضاء الحج ؛ لتعليق الأمر بقضائها ؛ استناداً إلى القاعدة : دلالة مفهوم المخالفة باطلة ؛ ثم بين أنها قاعدة أصولية ، إذ قال : (( كما تقرر في الأصول )) (110) .
المطلب التاسع : قواعد التعارض والترجيح
1- قاعدة : بناء العام على الخاص مع التنافي
- وفي كتاب الجنايات أورد قاعدة : بناء العام على الخاص مع التنافي ، وبين أنها قاعدة أصولية ، إذ قال : (( وقد تقرر في الأصول )) (111) ،
2- قاعدة : حمل المطلق على المقيد مع المعارضة
- وفي كتاب النكاح أيضاً أورد قاعدة : المطلق يحمل على المقيد مع المعارضة ، وبين أنها قاعدة قررها الأصوليون ، إذ قال : (( كما تقرر في الأصول )) (112) .
3- قاعدة : تقديم العرف على اللغة
- وفي كتاب المطاعم والمشارب نفسه ذكر قاعدة : تقديم العرف على اللغة ؛ لكونه طارئا ناسخا لحكمها ، وبين أنها قاعدة أصولية ، قائلاً : (( لما تقرر في الأصول )) (113) ،








المبحث الرابع
القواعد الأصولية غير المسندة إلى أصول الفقه
والقواعد الأصولية التي أوردها السُّيُورِي ، ولم يذكر أنها قواعد أصولية ، هي :
المطلب الأول : قواعد المشتق
- قاعدة : تعليق الحكم على المشتق يدل على انَّ المشتق علة في الحكم
قال تعالى : { ... إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَ?ذَا ...} (114)
ذهب الإمامية إلى انَّ نجاسة المشرك نجاسة عينية ، فلو غسلوا أبدانهم سبعين غسلة لم يزيدوا إلا نجاسة ؛ استنادا إلى قاعدة أصولية : قاعدة : تعليق الحكم على المشتق يدل على انَّ المشتق علة في الحكم ، فقوله : { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ }، أي : لنجاستهم ، كقولهم : أكرم العلماء ، أي : لعلمهم ، وأهن الجهال ، أي : لجهلهم (115) . في حين ذهب فقهاء المذاهب الإسلامية إلى أنَّ نجاسة المشرك نجاسة عينية لا حكمية ؛ لأنَّ النجاسة عندهم بمعنى لا يغتسلون من الجنابة ، ولا يتجنَّبون النجاسات ، أو كناية عن خبث اعتقادهم (116) .
المطلب الثاني : قواعد العام
1- قاعدة : النهي عن المجموع لا يستلزم النهي عن كل واحد من أجزائه
- قال تعالى : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى? أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا...}(117)
(لا تصل) نهي تعلق بالمجموع من حيث هو مجموع ، لا بكل واحد من أجزائه إلا الدعاء للكافر الميت فإن الكافر غير مغفور له ، فالدعاء له عبث ؛ استنادا إلى القاعدة الأصولية : قاعدة : النهي عن المجموع لا يستلزم النهي عن كل واحد من أجزائه
2- قاعدة : النهي عن العام يستلزم النهي عن الخاص
- قال تعالى : { ... إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... }(118)
المفسرون يقولون : إن الخمر حُرِّمَ متدرجا ، على ثلاثة مراحل ، على التفصيل الآتي : المرحلة الأولى : حرمها عن طريق بيان إثمها ، إذ قال تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...} (119) ، والمرحلة الثانية : حرم اقتراب الصلاة على السكران ، إذ قال تعالى : { ... لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى? حَتَّى? تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ...} (120) ، والمرحلة الثالثة والأخيرة : أمر باجتنابها مطلقا ، إذ قال تعالى : {... إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... } (121) . وأكد التحريم بأمور عدة من أهمها : ضم الخمر إلى الأصنام والأصنام محرمة ، سماها رجساً ، جعلها من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر (122)
- والأصوليين يقولون أن حكم الحرمة يثبت بالصيغ الآتي : (صيغة حرِّم) ، قال تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ... } (123) ، و(صيغة لا يحل) ، قال تعالى : {... لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ...} (124) ، و (صيغة النهي عن الاقتراب ) ، قال تعالى : {... لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى? حَتَّى? تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... } (125) ، و (صيغة الأمر بالاجتناب) قال تعالى : {... إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... } (126) ، ولدفع من يدعي أن امر الاجتناب يتعلق بعمل الشيطان ، أو الرجس لا بالخمر يلجأ الفقيه إلى القاعدة الأصولية القائلة : (النهي عن العام يستلزم النهي عن الخاص) ، وتقرير ذلك إنما يتم على النحو الآتي : عمل الشيطان عام والرجس عام ، والخمر خاص ، والضمير في (فاجتنبوه) يعود إلى الرجس أو إلى عمل الشيطان . ولما كان الرجس أو عمل الشيطان منهِيًّا عنه ؛ لذا فإن الخمر منهي عنه ؛ استنادا إلى القاعدة الأصولية : (النهي عن العام يستلزم النهي عن الخاص) ، وما قيل عن الخمر يقال عن الميسر فهم وظفوا القاعدة الأصولية : (النهي عن العام يستلزم النهي عن الخاص) ، في تأكيد حكم تحريم الخمر .
3- قاعدة : الحكم المطلق على مجموع لا يتحقق إلا بتحقق المجموع
- وفي قوله تعالى : {... فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ...}(127) استدل بهذه الآية على أنَّ تارك الصلاة مُسْتَحَلٌّ مرتد يجب قتله ؛ استناداً إلى قاعدة : الحكم المطلق على مجموع لا يتحقق إلا بتحقق المجموع ويكفي في حصول نقيضه فوات واحد من المجموع (128) ،
المطلب الثالث : قواعد التخصيص
1- قاعدة : مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَقَدْ خُصَّ
أ‌- في القبلة في قوله تعالى : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ...}(129) ذهب إلى أنها خاصة في المعاندين من أهل الكتاب ، لا في أهل الكتاب عامتهم استنادا إلى القاعدة الأصولية : (ما من عام إلا وقد خصَّ) ، وقد خُصِّصَ النص القرآني بالحديث المروي عن ابن عباس (ت/69ه) (130) .
ب‌- في كتاب الخمس في بيان قوله تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... }(131) ذهب الإمامية إلى أَنَّ ذي القربى للإمام القائم مقام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والأصناف الثلاثة الأخيرة خاصة في اليتامى والمساكين وابن السبيل من بني عبد المطلب (132) ، وعلق السُّيُوري قائلا : وقولهم هو الحق ، ثم أضاف إن قلت : إنَّ لفظ الآية عام ، قلت : ما من عام إلا وقد خصِّصَ أي : إنَّ العام خصِّصَ بما روي عن أئمة أهل البيت ( صلوات الله عليهم أجمعين ) (133) .
2- قاعدة : رفع المركب لا يستلزم رفع جميع أجزائه
- قال تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ...}(134)
إنَّ المفسرين من الإمامية يقولون : إنَّ الوصية مطلقة ، فلو وصى الموصي بماله كله لجاز له ذلك إلا أنها قيدت بـ (الثلث) ، في موثقة عمار السَّابَاطِي عن الإمام الصادق عليه السلام : (( الميت أحق بماله ما دام الروح فيه يَبِينُ ، فإن قال بعدي ، فليس له إلا الثلث )) (135) ، والتخصيص بـ (الثلث) ورد عن طريق غير الإمامية ، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص ، أنَّه قال : (( مرضت ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعودني ، فقلت : يا رسول الله أوصي بمالي كله ؟ ، فقال : لا ، قلت : النصف ؟ ، قال : الثلث ؟ ، قال : الثلث والثلث كثير ... )) (136) ، وهي رواية متفق عليها عندهم ، وهي توافق رواية أهل البيت صلوات الله عليهم . وأدعى جل المفسرين من غير الإمامية أنها منسوخة إما بآية الميراث ، قال تعالى : { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ... } (137) ، أو برواية تروى عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا وصية لوارث )) (138) ، والبخاري ومسلم لم يرضيا هذه الرواية وردَّها بعض المفسرين منهم ، فقد ردها الرازي لأنها خبر آحاد لا يتم بها النسخ ، مستندا في ذلك إلى القاعدة الأصولية : (( خبر الآحاد لا ينسخ القرآن)) (139) ، وضعف صاحب المنار سندها (140) (141) والراجح أن الوصية محكمة غير منسوخة ، وإنما هي مقيدة بالثلث ، على وفق رواية أهل البيت ورواية النبي عن غيرهم ، وهما يعارضان رواية (لا وصية) وهي مردودة من بعض المفسرين والمحدثين من غير الإمامية أمثال الفخر الرازي ورشيد رضا والبخاري ومسلم القواعد الأصولية في دفع النسخ أو توجيهه ، على النحو الآتي :
- وفي توجيه نسخ الوصية بآية (الإرث) لو سلمنا جواز نسخ آية الوصية بآية (الإرث) ، لأمكن حمل النسخ على رفع الوجوب لا الجواز ، أي : إن حكم الوجوب هو المنسوخ ، أما الجواز فهو باق استنادا إلى القاعدة الأصولية : ( رفع المركب لا يستلزم رفع جميع أجزائه ) (142) . ويؤيد هذا التوجيه إذا حملت النسخ في الحديث على تقدير مضمر ، أي : لا وصية واجبة لوارث (143) .
3- قاعدة : التخصيص خير من النسخ
- وظف الأصوليون قاعدة : ( التخصيص خير من النسخ ) في توجيه نسخ الوصية بالحديث ردا على من ادعى أنها منسوخة بالحديث الشريف ، فقالوا : لو سلمنا جواز نسخ آية الوصية بحديث : ((لَا وَصِيَّةَ )) (144) ، لأمكن حمل النسخ على التخصيص بما زاد على الثلث ، أي : لا وصية لوارث بما زاد على الثلث ؛ استنادا إلى القاعدة الأصولية : ( التخصيص خير من النسخ ) (145) .
المطلب الرابع : قواعد الأصول اللفظية
- قاعدة : أصالة عدم الوجوب على الكل
- في مقدمات الصلاة ، أسند حكم وجوب اتخاذ المساجد على الكفاية إلى قاعدة : أصالة عدم الوجوب على الكل (146 ) . وفي معنى النية في الاصطلاح : الارادة استند إلى قاعدة : عدم النقل (147) المطلب الخامس : قواعد المفاهيم
- قاعدة : مفهوم المخالفة
أ‌- في كتاب الطهارة ، في بيان قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... }(148) بَيَّنَ أن من ذهب إلى اختصاص وجوب الوضوء على المؤمنين فلا يجب على الكفار قد استند إلى قاعدة (مفهوم المخالفة) ؛ لأنَّ التخصيص بالذكر يدل على نفي ما عداه بمقتضى هذه القاعدة عند من يقول بحجيتها ، وهي ليست بحجة عند الإمامية ؛ لأنَّ التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه عندهم ، ووجه التخصيص بالذين آمنوا ؛ لأنهم المتهيؤون للامتثال المنتفعون بالأعمال (149) .
ب‌- في كتاب الطهارة ، في مسألة التيمم ، في بيان قوله تعالى {... وَإِن كُنتُم مَّرْضَى? أَوْ عَلَى? سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ... }(150) .
- ذهب الإمامية إلى إباحة التيمم لمن لم يجد الماء مسافرا كان أو حاضرا – مقيماً – لأنَّ مفهوم المخالفة ليس بحجة عندهم ، فالنص عام يشمل المسافر والمقيم ، وقد خصص السفر بإباحة التيمم للأغلبية ، لا أنَّ الإباحة مختصة به من دون الحضر (151) وبه قال مالك (152) ، وهو احد قولي أبي حنيفة النعمان (ت/150ه) (153) ، وقول الشافعي (ت/204ه) (154) ، إلا انهما قالا يعيد المقيم صلاته إن وجد الماء . في حين ذهب أبو حنيفة النعمان في أحد قوليه إلى انَّ المقيم لا يجوز له التيمم ؛ استناداً إلى مفهوم المخالفة ؛ لأنَّه حجة عندهما فالتيمم مباح للمسافر ، وغير مباح له إن لم يكن مسافرا ، أي : إن كان مقيماً ( حاضراً ) (155) ، وبه قال زفر بن الهذيل (ت/158ه) (156)
ت‌- في كتاب الصلاة ، في بيان قوله تعالى : { ... إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا }(157) بَيَّنَ أن من ذهب إلى اختصاص وجوب الصلاة على المؤمنين ، فلا تجب على الكفار قد استند إلى قاعدة (مفهوم المخالفة) ؛ لأنَّ التخصيص بالذكر يدل على نفي ما عداه بمقتضى هذه القاعدة عند من يقول بحجيتها ، وتقرير ذلك عندهم : إنَّ الآية خصت المؤمنين بالوجوب ، وهذه التخصيص ينفي الوجوب عن غيرهم وهم الكفار (158) ، وهو مذهب أبي حنيفة النعمان (ت/150ه) (159) ، في حين أنَّ من ذهب إلى عدم اختصاص وجوب الصلاة على المؤمنين ، فتجب على الكفار ؛ إلا أنَّها لا تقبل منهم ؛ لأَنَّهم ليسوا بمسلمين ؛ لأنَّ التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ؛ لأنَّ مفهوم المخالفة ليس بحجة عندهم (160) وهو مذهب الإمامية (161) ، ومذهب المالكية (162) ، ومذهب الشافعي (163) ومما يؤيد رأي الامامية ومن وافقهم من المذاهب الإسلامية أن الكافر مكلف بالفروع والقرآن صرح أن الكفار معاقبون على ترك الصلاة ، فلو لم تكن واجبة عليهم لما بين أنهم معاقبون على تركها (164) إذ قال تعالى : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ? قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ }(165) ، وصرح بوجوب الزكاة على الكافر ؛ لأنَّه لا يصح منه أداؤها حال كفره ؛ لعدم إخلاصه (156) ، إذ قال تعالى : {... وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ? الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }(167) ، وقال تعالى : { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ... }(168) وفي قوله تعالى : {... وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }(169) دلالة على ان الكافر يعاقب على ترك الفروع ، وأن الإسلام يسقط الإثم عنه (163)


المطلب السادس : قواعد الأصول العملية
- قاعدة : أصالة البراءة
أ‌- وفي قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }(164) ، بين أن الأمر (فاستعذ) للاستحباب لا للوجوب ؛ استنادا إلى قاعدة : أصالة البراءة (165) .
ب‌- وفي قوله تعالى : { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ...}(166) بين أن رد اسلام واجب على الكفاية ؛ استناداً إلى قاعدة : أصالة البراءة (167) .
















الخاتمة ونتائج البحث
وما خلصنا إليه من دراستنا نوجزه بما يأتي :
1- بيَّن البحث الصلة الوثيقة بين (أصول الفقه) و (التفسير ) .
2- وضَّح لجوء المفسر إلى القواعد الأصولية في إثبات أمر ، أو نفي آخر .
3- سلَّط الضوء على براعة السيوري في استعمال القواعد الأصولية في حسم القضايا التي تحتاج إلى حسم في تفسيره كنز العرفان في فقه القرآن ،
4- بيَّن أنَّه لا غنى للمفسر عن القواعد الأصولية ، ولا سيما في مجال التفسير الفقهي .
5- بيَّن تطور أصول الفقه عند مدرسة الحلة الفقهية .
6- اتَّضح أنَّ مدرسة الحلة الفقهية طوَّعت أصول الفقه ؛ لخدمة التفسير ، ولا سيما التفسير الفقهي
7- اتضح مدى التقدم في البحث الأصولي ، والافادة منه في التفسير الفقهي لدى مدرسة الحلة الفقهية ، وقد اقترن هذا الأمر باسم السيوري الحلي ،
8- إن أصول الفقه أداة من أدوات المفسر ، مثلما أن التفسير أداة من أدوات الأصولي .
9- إنَّ كنز العرفان في فقه القرآن جمع بين النظرية والتطبيق ، فهو تضمن قواعد أصولية كثيرة وهي مأخوذة من النظرية الأصولية ، والافادة منها في التفسير ، ولا سيما التفسير الفقهي مثلت الجانب التطبيقي لها ،
10- إنَّ القواعد الأصولية في كنز العرفان صنفان : أحدهما عقب السيوري بعد ذكره أنَّه قاعدة أصولية ، والثاني : لم يعقب السيوري بعد ذكره أنَّه قاعدة أصولية .
11- إنَّ الصنف الثاني من القواعد الأصولية أغلبه من الصنف الأول ، إلا أنَّه لم يشر إلى أنَّه قاعدة أصولية ؛ لأنَّه ذكره عند وروده لأول مرة ، ولم يشر إلى ذلك عند تكراره .
12- واما التوصيات فقد أوصيا بـ ( الإفادة من القواعد الأصولية في الدراسات التفسيرية المعاصرة) ولا سيما طلبة الدراسات العليا .




- هوامش البحث :


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم